الرئيسية » موسوعة وتاريخ وقوانين الرهبنة القبطية » الرهبنة [مقدمة] 2

+++

الرهبنة [مقدمة] 2

كُتبت بواسطة EL-Antony بتاريخ Sunday 14 November, 2010 في قسم موسوعة وتاريخ وقوانين الرهبنة القبطية

Share/Bookmark

ثانياً: ماهي القيم الروحية لأقوال الآباء ؟

تشهد العديد من المؤلفات أقوال الآباء المنشورة حديثاً لجّدة التشوق للمعرفة الروحية في ايامنا هذه حتي من خارج الأديرة ويمكننا أن نتشّرب هذه المعرفه من الرهبان الشيوخ الذين نُسِّميهم [آباء البرية] فأقوالهم تساعد من يطلع عليها بأن ليكون في حالة أفضل لتلقي صوت الروح في قلبه ولكي لا ينصت الي كلامهم فحسب بل الي صمتهم أيضاً!

أقوالهم تعتبر ثمرة للسكون وطول الروح الذي ينتابهم في البرية وان كان البراري أجتهدوا بكل قوتهم في إخفاء ممارستهم الخارجية فكم كانوا بالأكثر يحتفظون بكل أسرار حياتهم الروحية الداخلية وعلاقتهم الشخصيه بالله! فنحن لا نستطيع ان نستشف من هذه الأقوال حقائق هذا العالم الغير منظور الذي يعيشون فيه ولكننا نجد فيه وميض عابر يكشف لنا احياناً عن موجات الذي فيهم.

ان كل ما من يسلك ولو قليلاً حسب اقوال الآباء فلم يُخدع بل سيعثر علي كل المعني الحقيقي والعميق لأقوال وأعمال شيوخ البراري.  ففي فردوس الآباء هذا لا توجد أطلاقاً ثمارةً ضارة. وان كانت بعضها تبدو بدون جاذبية من الناحية الظاهرية بالنسبة لنا، عديمة الطعم بالنسبة لنا، فظه بالنسبه لرقتنا، أو جافة وقاسية بالنسبة لرخاوتنا؛ إلا انها مليئة بالثمار الصحيّة والخلاص للإنسان المتعطش للحياة الحقيقية.

إلى مسيحيي اليوم الذين يحكمون بكل سهولة ان أقوال الآباء فقدت الآن طعمها وقوتها المحيية، ها أمامنا شهادة لراع لوثري إسمه  “ريتشارد وُرمبراند Richard Wurmbrand ” المعروف بروايته المؤثرة عن اسرة في السجون الشيوعية برومانيا، لقد كان محبوساً وحده في زنزانه مظلمة بدون أي كتاب أو ورق ولكنه أسترد شجاعته بتذكرة لكتاب كان قد تلذذ به في الماضي، والذي لم يكن سوي “اقوال آباء” وقال: [أني اذكر نفسي بأحد الكتب المفضلة واسمه – بلغتهم – “The Pateric” الذي ينسب الخبرة لبعض قديسي القرن الـ 4 الذين أسّسوا الأديرة الأولي في براري مصر. هذا الكتاب ذو الأربعمائة صفحة لما فتحته للمرة الأولى لم آكل أو أشرب ولم أنم قبل أن أنتهي منه! إن مثل هذه الكتب لهي مثل الخمر الجيدة والأكثر قِدماً فيها هو الأفضل!].

وفي وحدته وسكونه في زنزانته تذّكر وشعر بأهمية وفائدة القول الآتي:

[سأل أخ أحد الآباء قائلا ً: ”يا أبي، ما هو الصمت“؟ فأجابه قائلاً: ”الصمت، يا أبني، هو جلوسك منفرداً في قلايتك بحكمةٍ ومخافة الله، وتحصين روحك ضد سهام الأفكار المحرقة“]. ثم علق ريتشارد علي ذلك بقوله: [مثل هذا الصمت يلد الصلاح. إيه أيها الصمت الخالي من اضطراب الفكر، السلَّم الذي يصل إلى السماء! إيه أيها الصمت الذي لايبحث فيه إلا عما هو جوهري، والذي فيه لا يتكلم المرء ّ إلا مع يسوع المسيح! إن الذي يحفظ الصمت هو الذي يرتل “قلبي مستعد لتمجيدك يارب” (مز 7:56) – حسب الترجمة السبعينية.

لها دور تربوي رهباني إنجيلي:

أقوال الآباء ليست للتعليم والتثقيف بل للمنفعة الروحية العملية، كما أن لها دوراً تربويا أساسيا للروح الرهبانية الإنجيلية ولا سيما للمبتدئين في الرهبنة، وبالأخص الذين يطيعون مرشديهم بروح التلمذة الحقيقية. والهدف من أقوال الآباء ليس هو وصف ثمار الروح القدس في النفس المتحررة من الأهواء، بل قيادة الراهب إلى الطريق الذي ينبغي أن يجوزه إذا أراد أن يتحرر من عبودية الأهواء وأن يتقبل في داخله ثمار الروح. ولما كانت أقوال الآباء تتضمن خبرات روحية متعددة، فهي تُـلقِّن الراهب ما يحتاجه من بصيرةٍ وإفراز روحي. إنها تلهِب وتهذِّب الذين يريدون أن يتشبهوا بحياة القديسين السمائية، وأن يتقدموا في الطريق المؤدي إلى ملكوت السموات. كما ينبغي معرفة أن هؤلاء الآباء قد اشتعلوا بالكامل بالحب الإلهي، وأنهم كانوا يجتهدون كثيراً جداً حتى لايصابوا بالمجد الباطل، وأن يمتلئوا بالاتضاع.

حياة الراهب هي جهاد مستر، حرب فيها ربح وخسارٌة، سقوٌط وقيام بلا توقُّف، ولذلك فمن العبارات المألوفة في أقوال الآباء: [أخ حورِب بالوقيعة]، [أخ حورب بالزنى] … إلخ. ومع أن المبتدئين يُحَاربون بأستمرار من الشياطين ومن الجسد ومن أوجاع النفس وكثيراًَ ما يسقطون، إلا أن الكاملين من الآباء تصورهم الأقوال بأنهم في حالة نصرة دائمة على هذه الحروب حتى ضجرت منهم الشياطين. والثمرة المباركة التي يجنيها النٌساك بأستمرار من هذه الحروب المتواترة هي أنها تكسِبهم حنكًة وخبرًة ينقلونها بسهولةٍ إلى تلاميذهم والأجيال اللاحقة من الرهبان بل وحتى العلمانيين، كما أنهم شعروا بأن هذه الحروب تجعل لجهادهم – بالصوم والصلاة والتوبة – أكاليل عظيمة خالدة في الأبدية! وكم كان هؤلاء الآباء يترّفقون بالخطاة حتى يقتادوهم إلى التوبة ثم إلى القداسة! وكانوا يتظاهرون بأنهم لا يرون المخطئ وهو ساقط في خطيته، بل إنهم كانوا لا يحزنون مرشدهم أثناء سيرهم في القفر حتى ولو انحرف منم عن الطريق للدرجة التي فيها يصيرون في خطر الموت! وفي الواقع تُعتَبر أقوال الآباء بمثابة صورة فوتوغرافية عن حياتهم في البراري. كثيرٌة هي أتعاب الناسك، إلا أن هدفه واحد: وهو إرضاء الرب بتنقية قلبه واقتناء الفضائل ليس لذاتها بل لتزيين العروس لعريسها، ويفضِّل القديس يوحنا القصير أن تحوز النفس ولو القليل من كل فضيلة.

العمل اليدوي هو لأجل ضروريات الحياة:

إن كان الناسك يعمل بيديه لأجل احتياجات جسده، إ ّ لا أنه يشعر أ ّ ن عمله اليدوي هو من أجل الرب الذي كرس له روحه وجسده، كما أنه يملأ وقت عمله اليدوي بالصلاة والتأمل وأحياناً بالقراءة والبكاء بسبب خطاياه أو بسبب شعوره بعدم استحقاقه لحب الله ورحمته، وهو في كل هذا لا يٌفسِح أي مجالٍ للأفكار الخاطئة لتسود عليه! ولا يحتاج الراهب إلى أكثر من ضروريات الحياة، فعليه أن يلبس ثوباً من النوع الذي إذا ألقاه خارجاً لمدة ثلاثة أيام لا يأخذه أحد (ُانظر أقوال أنبا بامو)، والطعام كان غالباً مرًة واحدًة في اليوم و  يشرب الماء بالمقدار، وكثير من الآباء عاشوا على الخبز والملح والماء معظم حياتهم بأستثناء أيام المرض والأعياد والمناسبات التي كانوا يأكلون فيها معاً على مائدة المحبة (الأغابي).

أهم الفضائل التي تُبرزها الأقوال:

أهم الفضائل التي جاهد لأجل اكتسابها آباء البراري بلا حدودٍ وحتى نهاية حياتهم هي: الطاعة، والاتضاع، والصلاة الدائمة، والصمت، والدموع … كل هذه وغيرها زرعوا بها القفار فأثمرت لهم قداسة ومّتعتهم بالتطهير من خطاياهم، كما أن معظم الفضائل كانوا يقتنونها بالدموع والعرق والجهاد في الصلاة. وبتراكم الخبرات الشخصية في الحياة الروحانية صارت تنبثق منها الإرشادات التي سُجِّلت في أقوال الآباء، وبالتدريج صارت أكثر وضوحاً وفهماً ما لمن جاءوا بعدهم. بل إن الأقوال تعتبر عطية نافعة لكل المسيحيين بصفةٍ عامة. وهي عندما تُفهَم جيداً تُلهِب الغيرة على اقتفاء إثر خطوات الذين نطقوا بها، وهي تدعو الإنسان إلى أن يتحرك نحو حياةٍ أفضل مما يحياها الآن. واختبارات الآباء هذه التي تركوها لنا تُعتبر ميراًثا ثميناً يجانب كلاً منا مخاطر الطريق الروحي الذي يحاول السير فيه بطرقه الخاصة. ولم يوجد في الحياة النسكية مجالُ للانشغال بالأمور العقائدية، ولا مناقشة مواضيع أو مشاكل الكتاب المقدس، لأن كل هذه تُفقد الراهب سلامه الداخلي كما توجِد الانقسام في الرأي والتحزُّبات والأحقاد. أليس هذا هو سبب انقسام وتفتُّت المسيحيين الغربيين في القرون الأخيرة الذي أنشأ طوائف لا حصر لها؟! ، مثالٌ على ذلك: [دعي الأب “كوبرس” ذات مرةٍ إلى اجتماعٍ للبحث في شخصية ملكيصادق، هل هو شخصية إنسانية أم إلهية، فلما وصل سألوه عن هذا الموضوع، فضرب على فمه ثلاث مراتٍ قائلاً: [الويل لك يا كوبرس لأنك أهملت كل ما طلبه الله منك وشرعت تفتش عما لم يطلبه منك!] فلما سمع الإخوة ذلك رجعوا إلى قلاليهم]!، أهمية دراسة أقوال الآباء: إن النقص الشديد في القادة الروحيين في أيامنا هذه  لُيحتم الدراسة والتمعن المستمرين في هذه الأقوال المباركة لكي يمكن – بدون ضرر – اتباع هذا الطريق العجيب الذي لـ “فن الفنون” و”علم العلوم” (حسب تعبير كتاب الفيلوكاليا). أما الأساس الذي يبنى عليه الرجاء في نجاح الإنسان في هذا الطريق فهو: اتضاع حقيقي، وإخلاص، واحتمال، وطهارٌة … إلخ. من الفضائل الرئيسية. وتحدد هذه الأقوال الملهمة بالروح معظم الصعوبات، وتُفهِمنا كيف نتغّلب ونسود عليها، حيث أعطانا الآباء تعاليم وإرشادات ونصائح نافعة لتسهيل جهادنا، حتى إننا إذا اتبعنا هذا الطريق الروحي بروح الحب الحقيقي وإنكار الذات نهائياً؛ فستكون لنا فرصة واضحة وعظيمة وناجحة للوصول إلى اشتياقاتنا الروحية، وتحتوي الأقوال على شرح لسر الحياة في ربنا يسوع المسيح، التي هي الحياة المسيحية الحقيقية التي تبدأ وتنمو وتتطور وتصل إلى الكمال لكل واحدٍ حسب قامته خلال المشيئة الصالحة التي لله الآب وبعمل نعمة الروح القدس الساكن في كل بني المعمودية، ومعونة الرب يسوع نفسه الذي وعد أن يمكث معنا إلى دهر الدهور.

أقوال الآباء تدعو كل إنسانٍ إلى العمق:

تدعو نعمة الله كل إنسانٍ إلى الحياة الروحية العميقة، وهي ليست ممكنة للجميع فحسب بل إنها إلزامية، لأنها هي جوهر المسيحية، وإن كان الجميع لا يتشاركون فيها بنفس القياس. أنهما المختارون أكثر من غيرهم فيدخلون فيها بعمقٍ أكثر من غيرهم، وبالتدريج يتسّلقون ليصلوا إلى أعلى درجاتها، ومظاهر هذه الحياة الروحانية، وكذلك غِنى العالم الروحاني الذي تُستعَلن فيه هذه الحياة، لا تقل غزارًة وتنوعاً عن مظاهر الحياة العادية. ولو أمكن بوضوح فهم ووصف كل ما يحدث في هذا العالم الروحاني: من هجمات معادية وتجارب، من صراعات وانتصارات، من سقوط وقيام من السقطات، من نشأة ونمو المظاهر المختلفة للحياة الروحية، من درجات النمو وحالة الذهن والقلب المتصلة بكلٍّ من هذه الدرجات، والتفاعل في كل شيء بالنعمة والحرية الروحية، والأحاسيس المختلفة بوجود الله، والإدراك الحسي لقوة معونة الله فوق الكل، والتسليم النهائي لحياة الإنسان بين يدي الله، وهجران كل الأمور الدنيوية مع النشاط والجهاد المستمرين … كل هذه وأمور أخرى كثيرة، تلك التي تمثل جزءًا مٌكملاً للحياة الحقيقية في الرب؛ لو أمكن أن توصَف بوضوح لأعطت صورة جذابًة ومنيرًة وكأنها رحلة في هذا العالم الروحاني.

Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.







+++