الرئيسية » موسوعة وتاريخ وقوانين الرهبنة القبطية » الرهبنة [مقدمة] 5

+++

الرهبنة [مقدمة] 5

كُتبت بواسطة EL-Antony بتاريخ Thursday 15 October, 2009 في قسم موسوعة وتاريخ وقوانين الرهبنة القبطية

Share/Bookmark

خامسًا: الرحالة الأجانب الذين جاءوا إلى مصر وجمعوا أقوال الآباء ونقلوا الرهبنة إلى بلادهم:

زار مصر واستنار بنور قديسي براريها الكثيرون من الرحالة الأجانب الأتقياء، ونقل معظمهم أنظمتها الرهبانية إلى بلادهم مسترشدين بتعاليم آباء النسك فيها، لأن مصر هي مهد الرهبنة في العالم كله، وأهم هؤلاء الزوار الرحالة حسب ترتيب تواريخ زيارتهم هم:

١القديس هيلاريون الغزّاوي: رئيس ومؤسس رهبنة فلسطين. زار القديس أنطونيوس نحو عام ٣٠٧ م، وتتلمذ له أسابيع قليلة بدأ على إثرها حياته النسكية التوحدية في براري غزة، ثم تتلمذ له مئات الرهبان حيث أسس لهم ديرا.

٢القديس باسيليوس الكبير: أسقف قيصرية الكبادوك. جاء إلى بلادنا نحو عام ٣٥٨ م، وحمل معه نظام حياة الشركة الباخومية وجعله أساساً لنظامه الرهباني في آسيا الصغرى.

٣ – روفينوس وميلانية الكبيرة: ظهر “تيرانيوس روفينوس” في أواخر القرن الرابع (عام ٣٧٣ أو ٣٨٥ م) في بلادنا طبًقا لحلم القديس أنبا مقار الذي رأى فيه سفينًة تجاريًة آتيًة إليه من الغرب بشخصٍ إيطالي. وبفضل روفينوس عبر جزءٌ كبير من أعمال (أي سير وكتابات) هذا القديس المصري العظيم أنبا مقار محيط العصور المظلمة، وفي حين فُقِد هذا الجزء من اللغة اليونانية فقد بقي في اللاتينية لكي يُغني الغرب والشرق على السواء. تقابل روفينوس مع النبيلة الأسبانية الأصل والرومانية الموطن التقية السيدة ميلانية الكبيرة (جدة ميلانية الصغيرة) في روما، واصطحبها مع آخرين في رحلتها السياحية إلى الشرق وقيل إن ذلك كان عام ٣٧٣ م، وقد زاروا الأديرة المصرية. ورافق القديسة ميلانية إلى نتريا القديس إيسوذورس الذي من نتريا وأنبا ديوسقورس أسقف دمنهور، ثم رجعت إلى فلسطين بعد أن قضت ستة أشهر في زيارة آباء البراري المصرية. وقد رغب هؤلاء الرحالة في الإقامة الدائمة في مصر لولا الاضطهاد الأريوسي ، ويقرر روفينوس في دفاع (تحت رقم ٤٦٦ ) أنه مكث 6 سنوات في مصر حيث قابل العديد من قديسي البراري الذين كتب عنهم، وأنه رجع مع زملائه إلى مصر مرًة ثانيًة لمدة عامين، ويرجح أن رحلتهم الأخيرة هذه بدأت عام ٣٩٤ م، لأن القديس يوحنا الأسيوطي الذي قابلهم تنبأ لهم عن خلع الإمبراطور أوجينيوس بواسطة ثيئودوسيوس، هذا الذي تم في سبتمبر من هذا العام، وكان الرهبان المصريون يشعرون بعدم استحقاقهم لهذه الزيارات، فقد قال مثلاً القديس يوحنا الأسيوطي لجماعة روفينوس: [ما هي الأمور ذات الأهمية التي تتوقعون أن تجدوها – يا أولادي الأعزاء – حتى إنكم وضعتم على عاتقكم مثل هذه الرحلة الطويلة المليئة بالأتعاب لتزوروا فقراء بسطاء لا يملكون شيًئا جديرا بالرؤية أو التعجب منه؟ … إنني متعجب من غيرتكم! كيف لا تبالون هذه الأخطار الكثيرة في مجيئكم إلينا لكي تتعّلموا منا]؟! وكان ردهم بأن ما يرونه ويسمعونه في أماكن القديسين ينطبع في أذهانهم كالصور ولا يمكن أن يُمحَى من ذاكرتهم، ولما وصلوا إلى نتريا كان أنبا مقار الإسكندراني قد توفي منذ قليل . وقد وصف روفينوس كل ما رآه وسمعه بدّقةٍ، وينسب إليه كتاب The Historia Monachorum in Aegypto الذي يعتبر أحد المصادر الرئيسية لأقوال الآباء، ولكن البعض يرجح أن كاتبه هو تيموثاوس أحد شمامسة الإسكندرية عام ٤١٢ م. ومن أقوال هذا الكتاب: [مبارك هو الله … لأنه جاء بنا إلى مصر… لقد وهب لنا – نحن الذين نريد أن نخلص – الأساس والمعرفة للخلاص. لقد زودنا الرب، ليس بنماذج للحياة الصالحة فحسب، بل أيضاً كشف لنا كل ما يؤدي إلى تكريس النفس الحقيقي لله، هذه الأمور لا يستحق من هم مثلنا أن يتكّلموا عنها، ولكنني في تسجيلي هنا عن آباء البراري المصريين اعتمدت على صلواتهم لكي آخذ أنا أيضاً منفعًة لنفسي من حياة هؤلاء الرهبان باقتدائي بطرق حياتهم، لأنني بالحق رأيت كنز الله مخفى في أوانٍ خزفية ( ٢كو 7:4)، لذلك فلم أرد أن أحتفظ بهذا الكنز لنفسي في حين أنه ينفع الكثيرين]، ثم أكد روفينوس أن الفضل الأول في قداسة هؤلاء الآباء يرجع إلى تعاليم الرب يسوع المسيح، مما يثبت أن أصل الحياة الرهبانية هو إنجيلي صرف. ثم يقول: [لأنني رأيت في مصر آباء كثيرين يعيشون حياة ملائكية إذ تقدموا بثباتٍ في التشبه بمخلِّصنا الصالح. لقد رأيت أنبياء بلغوا إلى حالةٍ شبه إلهية بفضائل حياتهم المُلهَمة والعجيبة، فهم خدام حقيقيون لله. إنهم لا يشغلون أنفسهم بأي أمر أرضي ولا يهتمون بشيءٍ يتعّلق بهذا العالم الزائل، بل إنهم يعيشون على الأرض كمواطنين سمائيين، بل إن الكثير منهم لا يعلم أن الشر لا زال موجوداً في العالم … إنهم موزعون في البراري منتظرون للمسيح كأبناء مخلصين ينتظرون والدهم… حقاً إنه لواضح للجميع أن العالم محفوظ بهم وأن الحياة البشرية تكرم بصلواتهl … لا توجد مدينة أو قرية في مصر لم تكن محاطة بأماكن للنسك والعبادة وكأنها أسوار، كما أ ّ ن الناس يعتمدون على صلوات الرهبان كاعتمادهم على الله نفسه]!.   وما أجمل وصف هذا الكتاب لترحيب الرهبان، إذ قال: [لقد غسلوا أرجلنا كما لو كانوا يزيلون عنا تعب رحلتنا، ولكنهم في الحقيقة كانوا يزيلون عنا متاعب الحياة الدنيوية هذا العمل التقليدي، ولما رأينا اهتمامهم بالتأمل في الكتاب المقدس والتعمق فيه شعرنا أن ك كلاًّ منهم كان خبيرا في كلمة الله وحكمته]، أما القديسة ميلانية الكبيرة فقد قابلت العديد من الآباء في أماكن نسكهم في أعماق البراري، حيث تتلمذت على تعاليمهم وأخذت من اختباراتهم زادًا مكّنها من أن تصير أمًّا لراهبات ديرها الذي أسسته في جبل الزيتون في فلسطين نحو عام ٣٧٧ م. وقد أُضيَفت ثروة روفينوس إلى ثروة ميلانية، وبنيا بها مساكن لرهبان جبل الزيتون. كما سجل روفينوس أنه قام برحلةٍ إلى “إديسّا” (الرها) و”تشارُّوCharrhoe” حيث رأى مساكن للرهبان كالتي رآها في مصر.

٤الحاجّة إيثيريا (إيجيريا): زارت مصر في طريقها إلى أورشليم عام ٣٨١ م، ولا سيما منطقة جبل الله (جبل موسى) في سيناء، وبراري شيهيت والصعيد.

٥جيروم وباولا وابنتها استوخيوم: جيروم (إيرونيموس) أصله من “أكويليا” بإيطاليا، وقد قابل باولا وابنتها هناك ثم تقابلا في أنطاكية وسافرا إلى أورشليم ومنها إلى مصر إلى، براري نتريا والقلالي وشيهيت نحو عام ٣٨٥ م، ثم زار جيروم الأديرة الباخومية في الصعيد وكتب عن نظام وقوانين الرهبنة الباخومية، ثم أسس في فلسطين ديراً للرهبان قرب بيت لحم، واشترك مع باولا في تأسيس دير للراهبات هناك صارت هي رئيسًة عليه، ثم خلفتها ابنتها استوخيوم بعد وفاتها.

٦القديس يوحنا كاسيان وزميله جرمانوس: وهما راهبان يرجح أما أصلاً من بلاد الغال (فرنسا) كما قيل إن كاسيان من رومانيا، وقد تركا بلادهما وترهبا في دير ببيت لحم نحو عام ٣٨٥ م، ومن هناك زارا مصر مرتين، ويقال إنهما تركا مصر نحو عام ٣٩٩ م عائدين إلى بلادهما الأصلية، ولكن جرمانوس بقي في القسطنطينية حيث رُسِم كاهناً، وذهب كاسيان إلى فرنسا حيث أسس بجوار مرسيليا ديرين نقل إليهما كل تراث تعاليم الآباء الأقباط وصلواتهم بل حتى زيّهم الرهباني، ثم سّلم هذا التراث للقديس الغربي “بندكتوس-St. Benedict” من بعده، وهو الذي نسِبت إليه الرهبنة البندكتية الغربية المشهورة ،وقد وضع كاسيان كتابيه المشهورين: الأول هو “المؤسساتThe Institutes” أو “المجامع الرهبانية“، الذي وصف فيه حياة الرهبان المصريين بالتفصيل: أهدافهم الرهبانية وأنظمة صلواتهم وأصوامهم ونسكياتهم وأعمالهم اليدوية وملابسهم … إلخ. والثاني هو “المحادثاتThe Conferences” سجل فيه جميع الأحاديث الروحانية التي سمعها مع صديقه جرمانوس من كل أبٍ على حدةٍ بلغت ٢٤ حديًثا مطولاً.

٧ بالليديوس: وهو أكثر من جمع أقوالاً لآباء البراري القديسين، ووصف حياتهم في ذلك الزمان. كان مسقط رأسه في غلاطية بآسيا الصغرى نحو عام ٣٦٣ م، ولما بلغ عمره ٢٣ سنة ترهب وتتلمذ على القديس إينوسنتيوس في جبل الزيتون بفلسطين، ثم جاء إلى مصر حوالي عام ٣٨٨ م حيث قضى نحو ثلاث سنوات في الإسكندرية والبراري المجاورة لها وقال عنها: [إن هذه الأديرة كانت تضم بين جوانبها من النساك الراسخين في الإيمان ألفي نسمة]، ثم في عام ٣٩٠ م زار نتريا والقلالي وشيهيت وكتب عن كل من قابلهم فيها وجمع أقوال
عدد كبير منهم حتى إن الرهبنة القبطية وتاريخ الأديرة المصرية تعتبر مدينًة لهذا الإنسان المبارك، ثم اتجه إلى إتريب ومنها إلى أعالي الصعيد حيث زار أديرة الرهبان والراهبات في أنصنا (ملوي) وأديرة أنبا باخوم في طبنيسي حيث وصف الرهبنة الباخومية بالتفصيل، كما زار حبيس ليكوبوليس (أسيوط) المشهور القديس يوحنا التبايسي (أو الأسيوطي)، لحم، وهناك تقابل مع العلاّمة جيروم، وفي سنة ٤٠٠ م رسِم أسقًفا على هلينوبوليس في آسيا الصغرى. وفي عام ٤٠٥ م نفاه الإمبراطور أركاديوس إلى أسوان في مصر، ومن هناك ذهب إلى أنتينيوي (الشيخ عبادة الآن بجوار ملوي) حيث رأى ١٢٠٠ راهب متوحد ”يعيشون من عمل أيديهم ويمارسون النسك إلى أقصى درجة“، أما كتاب “التاريخ اللوزياكي” الذي اشتهر به بالليديوس – والذي ذكرناه سابًقا – فقد كتبه حوالي عام ٤١٩ أو ٤٢٠ م، وهو ينطق بما كان يكنه لهؤلاء النساك من حب وإعجابٍ، ولأنه سافر كثيرا وسمع منهم الكثير فهو يستحق أن يدعى “هيرودوت” آباء الصحاري. ويهمنا جدا أن نعرف أن “أميلينو” الع ّ لامة في القبطيات درس هذا الكتاب وتحقَّق من دّقة ما كتبه بالليديوس على أساس دراسته للآثار المسيحية في مصر، هذا بالرغم من أن بعض القصص التي ذكرها بالليديوس كان قد سمعها من آخرين بطريقةٍ مباَلغ فيها بعض الشيء، وقد أرسل بالليديوس كتابه، الذي ضمنه – كما قلنا – صورا حية لحوالي ستين قديساً وقديسة في مصر وفلسطين وسوريا وآسيا الصغرى، مع رسالةٍ إلى “لوزاس-Lausus” ياور سقطوا من الفضيلة بسبب الكبرياء المفرطة، ورجوع بعضهم إلى السيرة المقدسة بواسطة نعمة الله. وبذلك يظهِر بالليديوس أن المسوح وحدها لا تصنع الراهب .. ! ويخبرنا أنه شعر بأنه مضطرٌّ أن يسجل ذلك لكي نعرف مدى خطورة الكبرياء ومدى قوة الصلاة والاتضاع، وكان مما قاله في رسالته إلى “لوزاس“: [لقد شعرت في نفسي أنني لست على مستوى وضع مجموعة سير للآباء القديسين .. لقد أرهبني عظم المشروع .. ثم تفكّرت في المنفعة التي سيسببها هذا العمل لمن يقرأونه، لذلك اعتمدت على المعونة الإلهية وشرعت في هذا العمل بجديةٍ كبيرةٍ، فدخلت هذا الميدان محمولاً على أجنحة شفاعات هؤلاء القديسين  .. وقد حُسِبت أهلاً أن أتحقّق بنفسي من ملامح الوقار والخشوع لأولئك الذين نضجوا فعلاً في ميدان التقوى .. لقد سافرت على قدمي وتطّلع في كل مغارةٍ وحجرةٍ لرهبان الصحراء بكل دّقةٍ ودافعٍ خشوعي، وسجلت في هذا الكتاب مناقشاتي مع هؤلاء القديسين وهم على سجيتهم كبشر إلهيين].

٨ ميلانية الصغيرة: هي حفيدة ميلانية الكبيرة. كرست حياتها للمسيح وعمرها حوالي ٢٠ سنة، وكانت غنية جدا، فوزعت كل أموالها على الكنائس والأديرة بما فيها الأديرة المصرية، ثم عاشت بعض الوقت في جزيرة صقلية، وفي عام ٤١٧ م زارت شمال أفريقيا ثم ذهبت إلى أورشليم والتجأت إلى منزل للغرباء بجوار القبر المقدس. ثم زارت رهبان براري مصر، ثم رجعت متحصنة بمثالهم وقدوة قداستهم، واستقرت في أورشليم في حياة وحدة وتأمل، وقابلت هناك قريبتيها باولا وابنتها استوخيوم.

Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.







+++