الرئيسية » حكمة وتعاليم آباء البرية وأباء الرهبنة » حروب الشياطين

+++

حروب الشياطين

كُتبت بواسطة EL-Antony بتاريخ Tuesday 20 October, 2009 في قسم حكمة وتعاليم آباء البرية وأباء الرهبنة

Share/Bookmark

* قيل عن القديس أنطونيوس: إنه لما دخل البرية الداخلية نظر إليه الشياطين وانزعجوا واجتمعوا عليه وقالوا له: ”يا صبي العمر والعقل، كيف جسرت ودخلت إلى بلادنا، لأننا ما رأينا ههنا آدميا سواك“؟! وابتدأوا يحاربونه كلهم، فقال لهم: ”يا أقوياء، ماذا تريدون مني أنا الضعيف المسكين؟ وما هو قدري حتى تجتمعوا كلكم علي وأنا تراب ووسخ ولا شيء، وضعيف عن قتال أحد أصاغركم“؟ وكان يلقي بذاته على الأرض ويصرخ ويقول: ”يا ربي أعني وقو ضعفي، ارحمني يا رب فإني التجأت إليك، يا رب لا تتخلَّ عني، ولا يقو علي هؤلاء الذين يحسبون أني شيء، يا رب أنت تعلم أنني ضعيف عن مقاومة أحد أصاغر هؤلاء“. وكان الشياطين متى سمعوا هذه الصلاة المملوءة حياة واتضاعا يهربون منه ولا يقدرون على الدنو إليه.

ومرة جمع الأركون (= “أرخون” أي رئيس الشياطين) كل آلات اللهو والطرب واللذَّات والتنعم والنساء وسائر أنواع الزنى ولذاته، أما هو فكان يغمض عينيه ويقول: ”عجبا منكم! كيف تجعلون لي مقدارا وتحتالون على سقوطي وأنا أضعف من مقاومة أحد أصاغركم؟ ابعدوا عن ضعفي أنا المسكين التراب والرماد“. وكانت الأفكار تسقط عنه بمعونة الرب، والشياطين تحترق من كثرة اتضاعه وفي عدة مرات كانوا يحضرون له جميع أنواع التخويف والانزعاج والتهويل والعذاب، فكان يصرخ إلى الله باتضاع ويقول: ”أنقذني يا رب بمعونتك ولا تبعد عن ضعفي“. ففي الحال كانت الشياطين رب منه، وفي مرات كثيرة كانوا يهجمون عليه ويضربونه ضربا مؤلما. وأقام هكذا ثلاثين سنة حتى نظر الرب يسوع المسيح إلى كثرة صبره واحتماله وكسر عنه شدة الأعداء صلاته تكون معنا آمين.

* ويصف القديس أثناسيوس حروب الشيطان على أنبا أنطونيوس هكذا: لم يطِق الشيطان أن يرى مثل هذا الثبات في شاب، ففي البداية حاول أن يبعده عن النسك، هامسا في أذنيه بذكريات ثروته والعناية بأخته، ومطالب الأقارب ومحبة المال والمجد، وملذات الطعام وسائر تنعمات الحياة، وأخيرا صعوبة الفضيلة وما تتطّلبه من عناء، ثم صور أمامه أيضا ضعف الجسد وطول الوقت، وبالاختصار أثار ذهنه كثيرا محاو لا أن يثنيه عن عزمه الثابت.

ولكن العدو عندما رأى نفسه ضعيفا أمام عزم أنطونيوس، وغلِب على أمره بسبب إيمانه العظيم وتجندل بسبب صلواته المستمرة، اعتمد أخيرا على أسلحته التي في “عضل بطنه” والتي يفتخر بها لأنها هي شراكه الأولى للشبان. وهاجم الشاب وأزعجه ليلا وضايقه بها نهارا، فعندما يعرض عليه الأفكار الشريرة كان يصدها بالصلوات، وعندما يصوب إليه سهام الشهوة يحمر خجلا ويحصن جسده بالإيمان والصلاة والصوم، وفي إحدى الليالي اتخذ الشيطان شكل امرأةٍ وقلد كل حركاتها لإغواء أنطونيوس، أما هو فإذ امتلأ عقله بالمسيح، وإذ فكر في روحانية النفس أطفأ جمر خداع العدو. وحاول العدو أن يجذبه بنشوة الملذات، أما هو فإذ امتلأ غضبا وحزنا حول تفكيره إلى تهديد الله (للإنسان) بالنار والدود الذي لا يموت، فجاز التجربة دون أن يمس بأذى.

كل هذا أخزى عدوه، لأنه إذ كان يعتبر نفسه كإله هزأ به شاب، وذاك الذي افتخر على اللحم والدم اضطر أن يهرب أمام إنسان في الجسد، لأن الرب كان يعمل مع أنطونيوس، الرب الذي من أجلنا أخذ جسدا ووهب الجسد نصرة على إبليس حتى يستطيع كل من يحارب بإخلاص أن يقول: “لست أنا بل نعمة الله التي معي” (1كو 10:15)، وأخيرا لما عجز التنين عن غلبة أنطونيوس، ووجد نفسه أنه قد ُ طرد تماما من قلبه، صر على أسنانه، كما هو مكتوب، وخرج عن شكله وظهر لأنطونيوس كولدٍ أسود متخذا شكلا منظورا يتفق مع لون عقله. وإذ تظاهر بالتذلل أمامه لم يشأ أن يلح عليه بأفكار فيما بعد، لأنه لما تنكر هزِم أمامه.

وأخيرا تكلم بصوتٍ بشري وقال: ”لقد خدعت كثيرين، وطرحت كثيرين، ولكنني برهنت على ضعفي إذ هاجمتك وهاجمت كل جهودك وأتعابك كما هاجمت كثيرين غيرك“. فسأله أنطونيوس: ”من أنت يا من تتكلم هكذا معي“؟ أجاب بصوتٍ أسيفٍ: ”أنا صديق الزنى، وقد التحفت بالإغراءات التي تدفع الشبان إلى الزنى، وأنا أدعى روح الشهوة. كم خدعت كثيرين ممن أرادوا أن يعيشوا بالاحتشام! وما أكثر العفيفين الذين أقنعتهم بإغراءتي!؟ أنا الذي من أجلي يوبخ النبي أولئك الذين سقطوا قائلاً: “روح الزنى قد ضلكم” (هو 12:4) لأنهم بي قد ُأعثِروا. أنا الذي ضايقتك كثيرا وغُلبت منك كثيراً !”، أما أنطونيوس فإذ قدم الشكر للرب قال له بكل شجاعةٍ: ”إًذا فأنت حقير جدا، لأنك أسود القلب، وضعيف كطفلٍ، ومن الآن لن أجزع منك لأنالرب معيني وأنا سأرى بأعدائي (مز 7:118)، وإذ سمع هذا ذاك الأسود هرب في الحال مرتجفا من الكلام، ولم يجسر حتى على الاقتراب إلى الرجل.

* عندما تقدم أنبا أنطونيوس في السن كان وحده في الجبل الداخلي يصرف وقته في الصلاة والنسك. وحينئذٍ احتمل مصارعًة عنيفً “ليس مع لحم ودم” (أف 12:6) كما هو مكتوب، بل مع الشياطين المقاومين كما علمنا ممن زاروه، لأنهم سمعوا هناك شغبا وأصواتا كثيرة وقرقعة كأنها قرقعة أسلحة، وفي الليل رأوا الجبل مليئا بالوحوش البرية، كما رأوا أنطونيوس أيضا مجاهدا كأنه يجاهد ضد كائناتٍ منظورةٍ، ومصليا ضدها جاثيا ومجاهدا في الصلاة، وكل الذين زاروه شجعهم، إنه لأمر عجيب أن شخصا وحيدا في بريةٍ كهذه لم يخش الشياطين التي هاجمته، ولا وحشية الوحوش والزحافات، لأنها كانت كثيرة جدا، ولكنه حقا كما هو مكتوب: “توكل على الرب مثل جبل صهيون” (مز 1:125)، بإيمانٍ لا يتزعزع ولا يضطرب، حتى إن الشياطين هربت منه، ووحوش البرية سالمته كما هو مكتوب (أي 23:5).

كان إبليس، كما يقول داود النبي في المزامير (مز 16:35) يراقب أنطونيوس ويحرق

عليه أسنانه. أما أنطونيوس فكان متعزيا بالمخلِّص، وبقي سالما من حيله ومكائده المختلفة. كان يسهر بالليل فيرسل عليه إبليس وحوشا برية، وكأن كل ضباع تلك البرية تقريبا قد خرجت من جحورها وأحاطت به، وكان وهو في وسطها يهدده كلُّ واحدٍ بالعض. وإذ رأى حيلة العدو قال لها كلها: ”إن كان لكم سلطان علي فأنا مستعد أن تلتهموني، أما إن كنتم قد اُرسِلتم علي من قِبل الشياطين فلا تمكثوا بل انصرفوا لأنني عبد للمسيح“، فهربت كلها أمام تلك الكلمة وكأنها قد ضربت بالسياط.

* روى كثير من الرهبان – باتحاد الرأي – أن أمورا كثيرة تمت على يدي أنبا أنطونيوس. فقد كان مرة مزمعا أن يأكل، وقام ليصلي نحو الساعة التاسعة فأدرك أنه اختطف بالروح، والعجيب أنه وقف ورأى نفسه كأنه خارج جسده، وأنه اقتيد في الهواء بواسطة أشخاص معينين. وبعد ذلك وَقَفت في الهواء كائنات أخرى مرعبة وأرادت أن تعرقل مسيره، ولكن لما قاومها مرشدوه سأَلت عما إذا كان هو ليس مدينا لها، وعندما أرادت أن تلخص ديونه منذ ولادته أوقفهم مرشدو أنطونيوس قائلين: ”لقد مسح الرب خطاياه منذ ولادته، ولكن يمكنكم أن تحاسبوه منذ أن صار راهبا وكرس نفسه لله“. ولما لم تستطع أن تثبِت عليه أية تهمةٍ أصبح طريقه خاليا وُأزيلت عنه كل العراقيل، وللحال رأى نفسه كأنه قد أتى إلى جسده، وأصبح أنطونيوس كما كان من قبل، وإذ نسي الأكل صار يئن ويصلِّي بقية النهار وطول الليل، لأنه دهِش إذ رأى كيف أن مصارعتنا هي مع خصومٍ أشداء، وكيف أننا يجب أن نجتاز الهواء بجهودٍ شاقة، ثم تذكر أن هذا هو ما قاله الرسول: “حسب رئيس سلطان الهواء” (أف 2:2) لأن العدو له فيه سلطان ليحارب ويحاول تعطيل الذين يجوزون فيه. ولذلك قدم النصيحة بكل قوة “احملوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تقاوموا في اليوم الشرير” (أف 13:6)، وذلك لكي يخزى المضاد إذ ليس له شيء رديء يقوله عنا (تي 8:2)، لقد اختطِف بولس الرسول إلى السماء الثالثة، وإذ سمع أمورا لا ينطق بها نزل؛ أما أنبا أنطونيوس فقد رأى أنه صار في الهواء، وصار يجاهد حتى تحرر.

* وقال أيضا: ”أيها الأبناء، لا نمل من الطلب إلى صلاح الله لكي تدركنا معونته وتعلمنا أن نصنع ما ينبغي. وبحق أقول لكم إن هذا الإناء الذي نحن حالون فيه، أعني الجس  لهو لنا هلاك وموت ومملوءٌ من كل الحروب“. ”وحقا أقول لكم، يا أولادي، إن كل إنسانٍ يتلذذ بالشهوة ويتنازل معها فإن أفكاره تفرغه وتحطه إلى أسفل. إذا كان يقبل ما يلَقى في قلبه ويفرح ويتلذذ به ويقبله إليه كأنه سر عظيم، ولا سيما إذا كان ممتدحا بأعماله؛ فالذين هم هكذا تصير نفوسهم آلًة للأرواح الشريرة ومجمعا للشرور، وأجسادهم خزائن لأسرار الظلمة مخزونًة فيها خفية، لأن الأرواح الشريرة تتسّلط على الذين هم هكذا“.

”ألا تعلمون أنه ليس للشياطين فخ واحد لكي ندركه ورب منه؟ لأنهم ليسوا متجسدين حتى نراهم عيانا، بل افهموا أننا نهلك الأجساد إذا قبلناهم، ونفوسنا أيضا عندما تميل إلى أن تقبل شرورهم“،

”فالآن، أيها الأولاد الأحباء، لا نجعل لهم فينا موضعا وإلا فنحن نثير على أنفسنا غضب الله وهم لا يذهبون عنا بل يسخرون بنا. وبحقٍ إنهم يمكرون بنا في كل وقت بمشورتهم الرديئة واضطهادهم الخفي لنا، وبرذائلهم الدنسة مع قلة الأمانة التي يلقونها في قلوبنا كل يوم، وقساوة القلب والأوجاع التي يجلبونها علينا في كل حين، والقلق حتى نقلق كل يوم بما يجلبونه علينا، وربما يجعلوننا نضحك في وقت يجب فيه البكاء ثم نبكي في وقت الفرح“، ”لذلك لا نمل من الطلب إلى صلاح الله لتدركنا رحمته ومعونته لنتعلم أن نصنع ما ينبغي لكي ننال العون والنجاة“

* وقال أيضا للإخوة: ”بينما كنت سائرا يوما ما في الجبل، وجدت نعامة مع صغارها، فلما رأتني لاذت بالفرار، وكأني سمعت الأم تقول لصغارها: ’انزلوا تحت الحجارة حتى لا يصطادوكم‘. وهكذا نحن أيضاً إذا قذفنا الشياطين بالأفكار الرديئة فلنرمهم بالحجارة المأخوذة من الحجر الذي ُأخِذ من الرحم غير الدنس الذي للقديسة العذراء مريم “حجر الزاوية” (أع 11:4 ؛ مز 22:118) الذي يقاتل عنا بمهارةٍ وينقذنا من فخاخهم الرديئة”

* قال القديس أنطونيوس: ”السيرة المستقيمة والإيمان بالله هما سلاح عظيم قاوم للشياطين الذين يخافون من الصيام والنسك وسهر الليل والصلاة والهدوء والوداعة بغضة الفضة والافتخار، والتواضع ومحبة المسكنة والرحمة وعدم الغضب وفعل البر في لمسيح، لأن الشياطين يجاهدون جدا أن لا يقهروا، فلنذكر نحن في قلوبنا أن الرب كائن عنا في كل حين فلا تقدر الشياطين أن تصنع بنا شيًئا، وإن رأوا أننا خفنا وضعفنا جعلون الخوف يزداد بالأكثر في قلوبنا بأفكارهم. فإذا وجدونا فرحين بالرب في كل ين وأننا نفكر في قلوبنا في الخيرات العتيدة ونتكلم فيما لرب ونفكِّر قائلين: إن كل يء هو بيد الرب؛ فإن الشياطين لا تقدر أن تصنع شيئا ولا لهم سلطان في شيء من لأشياء البتة. فإذا وجدوا النفس محصنة بهذه الأفكار هكذا يخزون للوقت ويرجعون إلى رائهم، لأنه هكذا وجد العدو أيوب مح صنا ثابتا فتباعد عنه عندما لم يقدر أن يميل فكره عن الله، ولأجل هذا افتضِح“، ”فكمال كل الفضائل أن يكون الإنسان ثابتا متقويا بكل قلبه وكل نفسه بالرب ولا حيد عنه بالجملة بأي حال ولا في أي وقت، بل يكون متحدا بأفكاره مع الله لأن الله هو متحد معنا بإيماننا به“

* ذهب أخ اسمه سمعان إلى الأب أنطونيوس وقال له: ”أيها الأب، رأيت في حلمٍ من يقول لي أسكن مع إنسان يكون له ضِعف جهادك‘“. فقال له القديس: ”هذا الذي ظهر لك هو الشيطان لأنه مدحك ووصفك بأنك عمَّالٌ“. فقال له الأخ: ”لقد كان مكتسيا بالنور“. فقال له أنبا أنطونيوس: ”إن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور” (2كو 14:11)، فقال الأخ في نفسه: ”إن الأب أنطونيوس يجهل الأمور المخفية“. ولكن الأب أنطونيوس علم بذلك وقال له: ”ياعديم الشعور، لقد علمت أنه لما جاء إليك الشرير لم يُقل لكسلام“، وأنت لم تتعرف عليه على الأقل بكون السلام لم يكن في فمه“.

Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.







+++