الرئيسية » موسوعة وتاريخ وقوانين الرهبنة القبطية » الرهبنة [مقدمة] 1

+++

الرهبنة [مقدمة] 1

كُتبت بواسطة EL-Antony بتاريخ Thursday 15 October, 2009 في قسم موسوعة وتاريخ وقوانين الرهبنة القبطية

Share/Bookmark

أولاً : ماهي أقوال الآباء ؟

كلمة الله هي ينبوع الحياة الأول والأصلي الذي يحمل لنا الروح، فإذا شربنا من هذا الينبوع، في نور الروح، يقودنا إلى الله، لأنه ينطلق من الله ليقودنا إلى الله. هكذا أيضاً أقوال الآباء [The Apophthegmata Patrum] أو بستان الرهبان، أذا طالعناها علي نفس المنوال نبلغ أيضاً الي الله، ذلك لأن آبائنا كانوا أناساً مثلنا وقد جسدوا في حياتهم كلمات الله. لقد امتزج الانجيل بسيرة حياة كل منهم حتي صاروا هم أنفسهم كلاماً نارياً يفسر لنا بنمازج عمليه حية مدي عمق الإنجيل المكتوب، كما أثبتوا للعالم إمكانية تحويل الطبيعة البشرية وتغييرها بنعمة المسيح.

ولذلك فأن مطالعة أقوالهم تعتبر ليست مطالعة روحية مُحببة وفحصاً لأعماق النفس فحسب؛ بل أيضاً طعاماً روحياً ليس مضافاً الي كلمة الله،بل إنه مبني علي كلمة الله – او شخص المسيح نفسة – الذي كان متجسداً في الذين تكرست حياتهم بالحق لله.

لقد شق آبائنا الطريق ومهدوها أمامنا بأن عاشوا الانجيل حتي النفس الأخير، وقد دبر الله لنا ذلك ضمن خطته لخلاصنا لكي نسير علي دربهم بأكثر سهولة، وبرجوعنا الي اقوالهم وسيرهم نوسع أفاقنا الروحية ومفاهيمنا الانجيلية، فنتغني بغني الروح لان الرب يهب حيث يشاء، ونحن يجب أن نكون حيث يشاء الروح لا حيث نشاء نحن !

قل لي كلمة فأخلص” … ينبغي أن تكون شركتنا مع آبائنا هؤلاء – في سيرهم وأختباراتهم – شركة حية : نسأهلم ونتلقي أجابتهم لا بذهنية الحرق الضيقة، بل بمسؤليه وحرية روحانية لكي ننمو مثلهم الي ملئ قامة المسيح.

لقد كان كل أبٍ منهم يأتي إليه الآخرون طالبين “كلمة منفعة” لا لحشو عقولهم
بالمعلومات، بل لتنفيذها بروح الطاعة بحسب قصد الروح الأزلي الملائم لأيامنا هذه وبذلك يصير سؤالنا لهم عملاً حياً وحبباً : فمن جهتنا يصير شهادة قبول إيماني وحياة، ومن جهتهم يصير امتداداً لحضور الروح إلينا.

فعندما نسألهم ففي الواقع نحن نسأل الله الساكن فيهم. الله يحب الذين يسألونه ويستجيبون لكلامه. إن الله يخاطبنا في سفر أيوب قائلاً “إنهض واسألني فأجيبك“،فأجاب ايوب الله قائلاً:”أسئلك فتعلمني … بسمع الأذن قد سمعت عنك، والأن رأتك عيني(أي 1:38-3 ، 5:42) والسؤال التقليدي الذي كثيراً ما كان يسأله الراهب ولا سيما المبتدئ لمعلمه أو أبيه الروحي هو :[قل لي كلمه يا أبي لكي أخلص] أو [قل لي كيف أخلص] وكثير من اقوال الآباء جائت رداً علي هذا السؤال.

ولا يمكن إخفاء العلاقة القوية بين أقوال الآباء وكلام الكتب المقدسة، لأن جوهر معاني هذه الأقوال مبني علي كلام الله وهذا التعبير [قل لي كلمة لأخلص] مبني علي كلام بولس الرسول الذي يسمي الانجيل كله “كلمة الحق إنجيل خلاصكم(أف 13:1)، “إليكم أرسلت كلمة هذا الخلاص(أع 26:13).

ولعل أول سؤال من هذا النوع سأله أبو الرهبنة في العالم كله، أنبا أنطونيوس، لله نفسه قائلاً [أريد أن اخلص فماذا أفعل؟] فجاءه الرد من الله مباشرة بواسطة ملاكه، ولعل أبا الرهبنة في العالم كله كان يضع الأساس للرهبان في كل الأجيال لكي يتعلموا كيف يسألون، ولكي يستلموا الإجابة – عن طريق المرشد – من الرب نفسه وكان المفروض ان السائل يعلم ذلك في قلبه، ولذلك فقد كان عليه أن يقبل كلام ملعمه كما من فم الله ولذلك كثيراً ما رأينا أخاً يقطع مسافات طويلة لكي يحصل من أحد الشيوخ على قولٍ بخصوص أمور صغيرة وربما تبدو تافهة، ثم إذا استحق هذا القول أن يُسلم للأجيال التالية فأنه بلا شك يعتبر بالنسبة لأول من أستلمه نبعاً غزيراً للأستنارة والنعمة لأنه كان يعتبر أجابة له من الله نفسه علي أمانته فيه وطاعته له، وهكذا ظلت أقوالهم حية في قلوب سامعيهم ثم أنتقلت شفاهاً من جيل الي جيل وبتدبر من الله فأن تجميع أقوالهم لم يتأخر كثيراً عن عصرهم – القرن الرابع والنصف الأول من القرن الخامس – ثم كمل بعدهم بقرنٍٍ واحدٍ ومن أهم الذين حثهم الروح القدس علي تسجيل هذه الأختبارات الحية هم : بالليديوس وكأسيان وروفينيوس.

معظم ىباء البرية الكبار علموا ولم يكتوبا الا القليل، عّلموا بأعمالهم وبأقوالهم وتقبل كثير من سامعيهم أقوالهم بتعطش واشتياق فلنكتشف ونتعمق كنوز أقوالهم التي عبروا بها عن أختباراتهم الروحية لكي نحيا بالروح الذي عاشوا بها ،لاننا مثلهم تعمدنا – بالروح القدس والنار – هذا الذي قال عنه رب المجد “جئت لألقي ناراً علي الارض ولا اري إلا اضطرامها” (لو49:12).

قرويون غير مثقفين صاروا عمالقة في الروح، معظم اقوال الآباء التي تحويها مجموعة الابجدية اليونانية مصدرها آباء برية الأسقيط ورغم ان كثيرون منهم كانوا قرويين من ريف نهر النيل وغير مثقفين لم يتلامسوا مع المبادئ أو الفسفات المعاصرة إلا ان روح الله الذي جدد خلقتهم وطبيعتهم عم فيهم بقوة غير مدرَكه فملأهم بالروحانية والنسك حتى استطاعوا أن يؤثروا ليس علي معاصريهم فحسب بل وعلي كل الاجيال اللاحقه لكي يتعلموا منهم [النسك الذي تعلموه من الكتب المقدسة] – حسب تعبير كتاب حياة أنطونيوس بقلم اثناسيوس فصل 46.

ولقد ابتدا العديد من المتوحدون وآباء المجامع الرهبانية في الظهور منذ القرن الرابع، كمختبرين ناجحين تركوا لنا خبراتهم العميقة، وخلقوا طابعاً أدبياً للرهبنة وقوانين رهبانيه ومقالات نسكية وعظات ورسائل علي أعلي درجه من الكفائه الروحية حتي اقت كل الفلسفات الدنيويه بقدر ما تفوقت المسيحية والحية حسب الروح علي الحياة بحسب الجسد! ، ولقد وضعوا مقالات ذات قيمه روحانية ولاهوتية وتاريخية عالية، بل ان الأديرة نفسها صارت مراكز بارزة للعلم الديني مثل أدير الأنبا شنودة رئيس المتوحدين والأنبا مقار الذي صار لعدة قرون مركزا للكلية اللاهوتية، فقد كانت البرية مدرسة نموذجية للروح القدس فالرهبان الجدد الذين التصقوا بالشيوخ القدامى كانوا يُعدون تلاميذاً وكانوا شيوخ مستعدين للرد علي جميع الاسئلهالموجهة غليهم أو لأخذ زمام المبارده في الأحاديث الروحانية إلا اذا رأوا ان كلامهم لن يؤدي الي نتيجة فكانوا يصمتون او يكون ردهم كما في القول اللآتي: [سأل مرة أنبا بيمن أنبا مقار: [قل ليكلة لأخلص بها] ولكن الشيخ أجابه: [ان ما تبحث عنه قد اختفي الان من بين الرهبان] اي أنهم صاروا لا يعملون بما يسمعون.

وكان يأتي لسؤالآباء البرية ليس المبتدؤن والبسطاء فحسبن بل ايضاً الاساقفه ورؤساء الاساقفة والحكام وكانت خبراتهم الروحية التي نقلوها لآخرونمؤيدة بوضوح من كلام الكتاب المقدس بعهديه، وإن كان بعض الآباء صاروا أساقفة إلا ان هذا كان يُعتبر استثناء في حياة آباء البراري الذي كان عمق ألتصاقهم بالرب يجعلهم يفضلون حياة الخلوة الهادئة عن حمل مسؤلية خدمة النفوس التي لا يضمنون فيها خلاص نفوسهم حتي ولو كان فيها خلاص لنفوس الرعية “لأنه ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه” (مت 26:16)، ومن أمثلة تلمذه الاساقفه ورؤسائهم علي آباء البرية: تلمذه البابا أثناسيوس الرسولي لأنبا أنطونيوس – البابا كيرلس عمود الدين لأنبا سيرابيون – وزيارات البابا ثيؤفيلس الـ 23 المكتررة للقديسين بامو وأرسانيوس وغيرهما لسؤالهم أسئله روحية والأمثلة علي ذلك كثيرة.

Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.







+++